منابربريس ش ن
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تقتصر على المواجهات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل برزت إلى جانبها حروب أكثر تعقيدًا وهدوءًا، تُخاض عبر الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي. ويُطلق على هذا النوع من الصراع “الحروب الإعلامية”، حيث تصبح المعلومة، والصورة، والرواية أدوات للتأثير في الرأي العام وإعادة تشكيل مواقف المجتمعات تجاه دولها ومؤسساتها.
وتعتمد هذه الحروب على بناء سرديات إعلامية قادرة على التأثير النفسي والسياسي، من خلال التكرار، وانتقاء الوقائع، وإبراز جوانب محددة دون غيرها، أو ربط أحداث متفرقة ضمن رواية واحدة تخدم أهدافًا سياسية أو اقتصادية أو جيوسياسية. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف إقناع الجميع، بل خلق الشك، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإثارة الانقسام داخل المجتمع.
وفي ظل التطور الرقمي، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها الفاعل الرئيسي في صناعة الرأي العام، بل أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة، حيث تنتقل الأخبار بسرعة تفوق أحيانًا قدرة المؤسسات الرسمية والإعلام المهني على التحقق منها أو تصحيحها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الصحافة المهنية، التي تقوم على التحقق من المعلومات، واحترام أخلاقيات المهنة، وإتاحة الفرصة لمختلف وجهات النظر، وبين المحتوى الإعلامي الذي قد يُستغل لخدمة أجندات التأثير أو الضغط على الدول، سواء عبر نشر معلومات غير مكتملة، أو تقديم تحليلات منحازة، أو تضخيم أحداث معينة بما يخدم أهدافًا تتجاوز العمل الصحفي.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا تقع المسؤولية على عاتق الدولة وحدها، بل يتحمل المجتمع المدني دورًا محوريًا في تعزيز الوعي الإعلامي. فالجمعيات، والجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام الوطنية، جميعها مطالبة بنشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتعزيز التفكير النقدي، وتشجيع المواطنين على الرجوع إلى مصادر متعددة قبل تكوين المواقف أو إعادة نشر المحتوى.
كما يمثل الإعلام الوطني المهني خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل، ليس من خلال الخطاب الدعائي أو ردود الفعل الانفعالية، وإنما عبر تقديم معلومات دقيقة وموثقة، والانفتاح على النقاش المسؤول، وتعزيز ثقة الجمهور بالمعلومة القائمة على الأدلة.
إن نجاح أي حملة إعلامية خارجية لا يرتبط فقط بقوة الرسائل التي تبثها، بل أيضًا بمدى هشاشة البيئة الإعلامية التي تستقبلها. لذلك، فإن بناء مجتمع واعٍ، يمتلك أدوات التحليل والتمييز بين الخبر الموثوق والدعاية، يظل أحد أهم عناصر الأمن المجتمعي في العصر الرقمي.
وفي عالم أصبحت فيه المعلومة أداة نفوذ، لم يعد الوعي الإعلامي ترفًا ثقافيًا، بل أصبح ضرورة وطنية، تساهم في حماية المجتمعات من التضليل، وتعزز قدرتها على التفاعل مع الأحداث بعقلانية، بعيدًا عن الانفعال أو الاستقطاب. فالمجتمع الواعي هو القادر على حماية نفسه، وصون مؤسساته، وإفشال أي محاولة للتأثير على استقراره أو توجيه خياراته خارج إطار الحقيقة والموضوعية.
مشاركة فيسبوك تويتر واتساب


تعليقات الزوار ( 0 )