في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط،بدأت تبرز تحالفات جديدة من أجل خلق توازن القوى في المنطقة،ويبدو أن الإتفاق حول الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يدخل في هذا الإطار،نظرا للأهمية الإستراتيجية للدول الثلاث على المستوى الإقليمي عسكريا واقتصاديا،وتعتبر اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة يوم 7 أغسطس 2026م، فكرة استراتجية نوعية تتجاوز أبعادها الأمنية والدفاعية
المتعددة الأهداف والأطراف،حيث يأتي هذا التحالف ليجيب عن سؤال عميق وعملي .
. هل المنطقة تبقى تحت حماية أمريكية بعيدة جغرافيا
وغير مؤثرة محليا،أم حان الوقت لبناء قوة عسكرية اقليمية محلية لحماية المنطقة، وخصوصا بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية في حماية دول المنطقة والخليج من الهجمات الإيرانية ؟
. أعتقد أن الإتفاق جاء ليبني قوة ردع إقليمية مدروسة تهم جميع الأطراف الموقعة على إتفاق مكة،ويبدو أن هذا الإتفاق جاء بعد فترة طويلة من المفاوضات،فالاتفاق لم يولد في 7 أغسطس 2026، وإنما بدأ منذ شهر يناير 2026،أي قبل التوقيع عليه بنحو أكثر من سبعة أشهر،مما يعني أن الإتفاق تمت دراسته من جميع الجوانب ومن جميع الأطراف،وحسب بيان صادر عن الإتفاق الثلاثي فإن الهدف هو تعزيز الأمن والإستقرار في المنطقة وتأمين هذه الدول الثلاث من إندلاع حروب بدون سابق إنذار،وفي قرأءة لهذا الإتفاق فإنه جاء في وقته لأنه قام على مبدأ “الردع الجماعي” عسكريا وسياسيا وتعزيز التعاون الأمني والدفاعي المشترك ضد أي تهديد،كما أن الإتفاق يشمل تطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية العسكرية لتأمين الإكتفاء الذاتي المشترك من جميع المعدات الأساسية،وكذلك التعاون في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله،ويستند الإتفاق الثلاثي على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تؤكد بأنه من حق الدول في الدفاع عن نفسها وفق هذه المادة المذكورة أعلاه.
. يبدو أن اتفاق مكة المكرمة يختلف إختلافاً كليا عن باقي تكثلات الموجودة في الشرق الأوسط،لأن الطبيعة الجيوسياسة للتحالف الثلاثي يطوق إيران جغرافيا حيث من أكثر من جهة،حيث توجد حدود برية طويلة بين باكستان وإيران يبلغ طولها حوالي 909 كيلومترات، وتقع بشكل رئيسي بين منطقة بلوشستان الباكستانية ومنطقة سيستان وبلوشستان الإيرانية،وهي وحدود تتميز بوضع جغرافي خاص،كما أن هناك حدود برية مباشرة بين إيران وتركيا تمتد على طول الحدود بين البلدين بحوالي 560 كيلومترًا،وهي حدود جبلية تقع في شمال غرب إيران وشرق تركيا،وهي حدود برية قديمة نظرا لكون البلدين من الدول التاريخية القديمة،بمعنى أن عامل الحدود البرية عامل في غاية الأهمية الإستراتجية من الناحية العسكرية فقيام حرب بين تركيا وباكستان يعني محاصرة ايران من ثلاث جهات شمال غرب وجنوب غرب على طول حدود برية تقدر بنحو 1500 كيلومتر مما يعطي للتحالف بعدا جيوستراتجيا من الناحية العسكرية،وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية ليست لها حدود برية فإن لها حدود بحرية في الخليج العربي مع ايران،بمعنى أن دول التحالف الثلاثي التركي الباكستاني السعودي تحاصر إيران من كل الجهات برا وبحرا،وقد تم تسريب تقرير أمركي عسكري يؤكد فيه بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدعن ايران ولم تتمكن من هزمها رغم استخدام القوة العسكرية المفرطة بسسب غياب حدود جغرافية مشتركة أو حدود لدولة مجاورة لإيران،
كما يعود صمود ايران أمام الهجمات من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بسبب غياب حدود برية بين بينهما،ويمكن توسيع الحالف الثلاثي مع الأردن وسوريا لمحاصرة ايران من جميع الجهات،ويبدو
إن هذا التحالف الثلاثي سيشكل ردعا ودعما أمنيا لإستقرار الشرق الأوسط حتى ولو لم تقوم أي حرب بين دول التحالف وأي دولة في المنطقة،كما أن الإتفاقية لاتعني تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة،كما أعلن على ذلك،إلا أنها رسالة سياسية وعسكرية واضحة لإيران ومن معها في المنطقة وخارج المنطقة،وفي سياق آخر تأتي هذه الاتفاقية في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما فرضته من تغييرات إقليمية عميقة على صعيد النفوذ الإيراني والأمريكي والتحالفات الإقليمية التي تتشكل من حين لآخر،وأعتقد أن الإتفاق جاء في ظروف جيوسياسية إهتزت فيها ثقة دول الخليج مجتمعة بعدم قدرة القوات الأميركية على منع الهجمات الإيرانية عليها والتي كلفتها خسائر كبيرة، كما أن السعودية تبقى هي المؤهلة للقيام بهذه المبادرة الدفاعية نظرا لقوتها الإقتصادية والجيوسياسية وموقعها الجغرافي،ولهذا يرى بعض المراقبين والمحللين أن الاتفاق الثلاثي قد يتوافق مع هدف أمريكي معلن يتمثل في دفع الحلفاء في دول ا لخليج العربي إلى تحمل جزء من مسؤولية أمنهم ومن دون شك أن الولايات المتحدة الأمريكية لها علم مسبق بالإتفاق رغم أنها لم تتكلم عليه،لأنها قد تستفيد فيه بطريقة أو بأخرى.
( من المستفيد من تحالف مكة ؟ )
. من خلال تحليل نص البيان الصادر عن الاتفاق يبدو أن المملكة العربية السعودية أكبر مستفيد من الإتفاق لأنها تمكنت من تشكيل قوة ردع إقليمية للدفاع نفسها وعلى المنطقة بدل الإعتماد كليا على الولايات المتحدة الأمريكية التي تبين أن لن تتمكن من حماية المنطقة بالأسلحة الجوية فقط،ثم تأتي تركيا من حيث الإستفادة من هذا التحالف
لأنها قوة عسكرية كبيرة وعضو في حلف الناتو ، وتملك صناعة دفاعية متقدمة يمكن تسويقها بين دول التحالف الثلاثي وخاصة في السوق السعودي،علما بإن السعودية أصبحت من أهم مشتري المنتجات العسكريّة التركية،خصوصا الطائرات المسيّرة،كما أن التعاون العسكري التركي السعودي كان موجود مسبقا،بالإضافة إلى أن تركيا تسعى دوما إلى الحصول على نفوذ في دول الخليج وقد تسنى لها ذلك،وتريد أن تلعب دور أكبر دول العالم الإسلامي لإحياء التاريخ العثماني في المنطقة .
أما باكستان فهي مستفيدة إقتصاديا قبل الإستفادة العسكرية،فهي تصدر اليد العاملة إلى السعودية، وستستفيد من الأسواق السعودية على جميع المستويات،بما فيها شراء بعض المنتجات الدفاعية وتبقى رمزية باكستان بكونها دولة نووية رادعة سلميا،لأن استخدام السلاح النووي محكوم بقوانين صارمة.
. إن الإتفاق الثلاثي السعودي التركي الباكستاني في مكة لكي
يرقى إلى تحالف قوي يجب أن ينظم مناورات عسكرية معلنة وغير معلنة وتشمل هذه المناورات العسكرية وتدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الإستخبارات العسكرية ووضع خطة عسكرية مشتركة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي،وتوفير المنتوجات الصناعية الدفاعية
حتى يتحول إلى أحد أهم التكتلات العسكرية في المنطقة وفي العالم الإسلامي،ويوقف ايران عن توجهاتها التوسعية والعدوانية
،كما أن إستمرار الهجمات من إيران على السعودية سيكون إختبارا حقيقيا للتحالف،وردع إيران توجهاتها التوسعية والعدوانية
وبدون تفعيل تفعيل القدات الدفاعية سيبقى التحالف شكليا ولايحقق الأهداف المرجوة منه
الدكتور/ حسن عبيابة
أستاذ جامعي باحث



تعليقات الزوار ( 0 )