من إعداد فنان مصطفى :مدير النشر
خلال تصفحي لجريدة «الصباح» اليوم، وتحديداً للزاوية المخصصة لعمود «تحت الدف»، استوقفتني عبارة وجيزة في كلماتها، عميقة في دلالاتها، وثقيلة في ميزان معانيها: «لا توجد منزلة وسطى بين الوطنية والخيانة؛ إما أن يكون الإنسان وطنياً أو خائناً».
عبارة تختزل نقاشاً واسعاً حول معنى الانتماء الحقيقي، وتضعنا أمام سؤال جوهري: ما الذي يجعل الإنسان وطنياً؟ وأين تنتهي حدود الاختلاف المشروع لتبدأ مسؤولية حماية الوطن ومصالحه العليا؟
إن الوطنية مفهوم يتجاوز الشعارات والخطابات الموسمية والمنشورات التي تزدحم بها المناسبات. إنها قناعة راسخة، وسلوك يومي، والتزام أخلاقي تجاه الوطن ومؤسساته وثوابته ومقدراته. وتتجلى حقيقتها في المواقف العملية، وفي تغليب المصلحة العامة على الحسابات الشخصية، وفي الاستعداد لتحمل المسؤولية دفاعاً عن مستقبل البلاد واستقرارها.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الاختلاف والخيانة، فالنقد البناء، ومساءلة المسؤولين، وكشف الاختلالات، والتعبير عن الرأي، كلها حقوق وممارسات تدخل في صميم المواطنة المسؤولة. وقد يكون النقد الصادق أحد أوجه الغيرة على الوطن، متى استند إلى الوقائع واحترم المؤسسات واستهدف الإصلاح.
غير أن الاختلاف يفقد معناه الإيجابي عندما يتحول إلى أداة للإضرار بالمصالح الوطنية، أو وسيلة لخدمة أجندات ضيقة على حساب البلاد، أو غطاء لممارسات تتعارض مع مقتضيات الوفاء للوطن واحترام ثوابته.
فالوطنية الحقيقية تتجسد في القدرة على الجمع بين الاعتزاز بالانتماء والاستعداد للمساهمة في الإصلاح، وبين الدفاع عن الثوابت الوطنية وممارسة النقد المسؤول. كما أن حب الوطن يقتضي وضع مصلحته فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الظرفية.
ومن هنا، تكتسب العبارة التي استوقفتني دلالتها العميقة، لأنها تدعونا إلى مراجعة مفهوم الوطنية بعيداً عن الادعاءات والمظاهر. فكم من شخص يتغنى بحب الوطن، بينما تكشف مواقفه العملية عن تناقض واضح مع ما يعلنه، وكم من صوت ينتقد ويعارض انطلاقاً من إحساس صادق بالمسؤولية والرغبة في رؤية وطنه أكثر قوة وتقدماً.
إن الانتماء الحقيقي امتحان للمواقف قبل الكلمات، ومسؤولية تتجدد في كل محطة، وتظهر حقيقتها عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة.
مشاركة فيسبوك تويتر واتساب


تعليقات الزوار ( 0 )