سياسية

السموني- ازمة الثقة بين المواطن والسياسة

الدكتور خالد الشرقاوي السموني ، أستاذ بكلية الحقوق بالرباط و بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

على الرغم من جودة القوانين الانتخابات وإرادة الدولة في ضمان حرية ونزاهة الانتخاب، فإن ذلك لن يعطي مدلولا ديمقراطيا للانتخابات المقبلة إذا لم تكن هناك نسبة معقولة من المشاركة فيها من قبل المواطنات و المواطنين ، لأن أي عزوف عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، قد يوجه يشكك في مسار الإصلاحي السياسي الذي انتهجه المغرب منذ عشرين سنة .
وتجدر الاشارة إلى أن أغلب الأحزاب السياسية لاتقوم بوظائفها الدستورية، حيث لا تفتح مقراتها للتواصل مع المواطنين أو تأطيرهم أو تكوينهم أو تشجيعهم على العمل السياسي أو الاستماع إلى قضاياهم ومطالبهم المشروعة ، إلا مع اقتراب كل استحقاق انتخابي ، فقط لاستقطاب الناخبين للتصويت لفائدة الحزب ، بالإغراء أو بوسائل أخرى ، إذ لا يزال فقدان الثقة من قبل المواطنين قائما، في ظل واقع حزبي يتميز بانعدام الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب ، وعدم القدرة على القيام بأدوارها الدستورية ، مما قد لا يشجع الناخب على الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية والذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وعلى هذا الأساس، من واجب الأحزاب القيام بدورها في تأطير المواطنين والانفتاح على الأطر، و استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي و تأهيلهم في شتى المجالات وإذكاء الشعور لديهم بالانتماء الوطني، وتشجيعهم وإعطائهم الفرصة في التعبير عن تطلعاتهم وقضاياهم والدفع بهم نحو القيام بمبادرات تنموية فاعلة وإدماجهم في مشاريع التغيير والإصلاح.
وهذا لن يتأتى بطبيعة الحال إلا عن طريق إرجاع الثقة للمواطن في السياسة وفي المشاركة السياسية التي هي تعبير عن المواطنة ، و فتح المجال لهم للمساهمة في صنع القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام ووضع السياسات العامة في إطار الديمقراطية التشاركية . فالمشاركة السياسية تلعب دورا هاما في تطوير آليات وقواعد الديمقراطية، سواء داخل الأحزاب أو داخل المجتمع،  علما بأن تفعيل هذه المشاركة سيقلل من حالة الفراغ الثقافي والاحتقان الاجتماعي .
ومما يؤسف له ، أن الواقع يؤكد بالملموس على أن نسبة كبيرة من المواطنين عازفة عن العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات ، كتوجه تعبيري يعكس سخطا مجتمعيا من الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد ، علما بأن هذه الفئة التي لا تشارك في العملية الانتخابية تؤثر في الخريطة السياسية ، التي لا تعكس إرادة الأمة والصورة الحقيقية للتمثيلية الحزبية داخل البرلمان .
وهذا ناتج بطبيعة الحال عن مجموعة من الأسباب، لأن الأحزاب تحولت إلى آلات انتخابية، لا تقوم بوظيفتها الدستورية ، كما يجب ، والمتجلية في تأطير المواطنين وتشجيعهم على الانخراط في الحياة العامة الوطنية ، حيث أن الفصل السابع من الدستور المغربي لسنة 2011 ينص على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية وفي نطاق المؤسسات الدستورية.
فضلا عن ذلك ، تتمسك القيادات الحزبية بمواقعها على مستوى الأجهزة التنفيذية ، وترفض أي تجديد على مستوى القيادة والتسيير، إلا استثناء، وهذا من أسباب عزوف كثير المواطنين أيضا عن الممارسة السياسية والانخراط في الأحزاب ، لأنهم يجدون أنفسهم أمام هيئات سياسية ،إما مغلقة و إما بيروقراطية وهرمية ، مبنية على الولاءات والمصالح .  فجل الأحزاب السياسية المغربية بوضعها الحالي تمثل عائقا أمام انخراط فعال للمواطنين في الحياة السياسية بسبب الجمود الذي تعرفه على المستوى التنظيمي والوظيفي وغياب الديمقراطية الداخلية. علما بأن الفصل السابع من دستور 2011 ، أوجب بأن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية غايتها الأساسية العمل على تقوية دورها في تأهيل المشهد السياسي وتخليق الحياة السياسية، ومن خلال تحميلها مسؤولية تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة السياسية.
فالديمقراطية الحزبية الداخلية تتضمن الضوابط القانونية لقواعد اختيار المرشحين للانتخابات الداخلية للمناصب القيادية، وتغذي التنافس الحزبي للمواطنين، كما تخلق أعضاء داخل المؤسسات التمثيلية أكثر مقدرة وكفاءة، وتضمن للحزب بأن يكون قادرا على وضع سياسات وبرامج سياسية واقعية، وتشجع على تمثيل النساء والشباب في قيادة الحزب.
كما أن أغلب الأحزاب السياسية التي تشارك في التسيير الحكومي كثيرا ما لا تفي بوعودها المسطرة في برامجها الانتخابية، لأنها تضع أرقاما تتعلق بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العمل للشباب، تكون إما غير واقعية لعدم استنادها إلى دراسات علمية، و إما التصريح بأهداف يصعب عليها تحقيقها، وإما فقط لاستمالة الناخبين للتصويت على حزب معين، كأن بيده العصا السحرية ، وهو ما لم يعد يطيقه المواطن . وحتى بعض الإجراءات الواردة في البرامج الانتخابية التي لا يحتاج تنفيذها إلى ميزانيات، بل قد تساهم في انتعاش خزينة الدولة، مثل محاربة الفساد الإداري وترشيد النفقات، لا تنفذها الحكومة، أو تتخذ بشأنها إجراءات انتقائية محدودة النطاق، مما قد يؤدى إلى فقدان الثقة في الحكومة و في الأحزاب و يسهم في تعزيز العديد من المشاعر السلبية لدى المواطن .
هذا ،وتنشأ الثقة بين المواطن والسياسة، كلما تم تجسير الهوة بين ما يتوقعه المواطن من الأحزاب وما تحققه، من خلال مدى قدرة الأحزاب المشاركة في الحكومة تحسين واقعه الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيقها العدالة الاجتماعية والرفاه ، ومدى انسجام السياسات والإجراءات مع البرامج الانتخابية  والتصاريح الحكومية.
ورغم صعوبة تجسير فجوة الثقة بين المواطن والسياسة، لكنها ليست بالعملية المعقدة إذا توافرت الإرادة والنية الصادقة لبناء عوامل هذه الثقة، وذلك من خلال اعتماد نهج شامل يبدأ من وضع المواطن في صلب السياسات العامة بالإضافة إلى تخليق حقيقي للحياة السياسة والعمل الحزبي ، حتى تصير الأحزاب مؤسسات في خدمة المواطن والوطن وليس في خدمة مصالح قادتها و أداه لقضاء حوائج أعضائها .

شاهد أيضاً

إغلاق
error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock