التأصيل الدستوري والقانوني لحالة الطوارئ الصحية

حالة الطوارئ ظرف استثنائي غير عادي، تفرضها الدولة عندما يتهدد أمنها ونظامها العام، نتيجة خطر داهم حصل جراء ظروف داخلية أو خارجية حلت بها، كوقوع حرب أو نتيجة لاضطرابات داخلية أو قلاقل اجتماعية خطيرة أو انتشار وباء أو كوارث عامة. ففي مثل هذه الظروف، تعجز الدولة عن مواجهتها بالقوانين العادية، فتتخذ إجراءات وقوانين تخضع لقواعد استثنائية، يترتب عنها تقييد أو تعطيل الحقوق والحريات.
وتنطوي حالة الطوارئ على سن قوانين استثنائية خاصة بالاعتقال والاحتجـاز وإنشاء محاكم عسكرية وقوانين جنائية تطبق بأثر رجعي، وتفرض قيودا على حقوق الإنسان كالحـق فـي التعبير والتنقل والتجمع، بحجة التصدي لمختلف الأوضاع غير المتوقعة التي تهدد سلامة أمن الأفراد وممتلكاتهم، والاستقرار السياسي والاقتصادي للدولة.
وإذا كانت حالة الطوارئ باعتبارها نظاما قانونيا استثنائيا، يؤدي تطبيقه إلى تضييق ممارسة الحقوق والحريات العامة، ومنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لا تتوفر عليها في الحالات العادية، فهل حالة الطوارئ الصحية التي قررتها الحكومة المغربية تدخل في هذا الإطار، أم أنها حالة خاصة مختلفة عن حالة الطوارئ، كما هي متعارف عليها في التشريعات الدولية والوطنية؟
وعليه، سنحاول إلقاء الضوء على حالة الطوارئ في القانون الدولي، قبل دراسة حالة الطوارئ الصحية من حيث التأصيل الدستوري والقانوني .

أولا: حالة الطوارئ في القانون الدولي
تتعرض الدولة في بعض الأحيان لأخطار جسيمة، تصبح القواعد الدستورية والقانونية العادية عاجزة عن مواجهتها، ويصبح لزاما مواجهتها بقوانين استثنائية، كما هو الحال بالنسبة إلى قانون فرض حالة الطوارئ .
ومن بين القيود والتدابير التي يحق اتخاذها بموجب قانون حالة الطوارئ نذكر:
1) وضع قيود على حرية الأشخاص والإقامة والتنقل والمرور، في أماكن أو أوقات معينة.
2) إيقاف المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام إيقافا احتياطيا.
3) جواز تفتيش الأشخاص والأماكن في أي وقت.
4) انتهاك سرية المراسلات أيا كان نوعها، ومراقبة الصحف والمنشورات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها.
5) تحديد مواعد فتح الأماكن العامة وإغلاقها.
6) إخلاء بعض المناطق أو عزلها.
وقد نصت الفقرة الأولى من المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على ما يلي: (في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسـميا، يجـوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عنها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافـاة هـذه التـدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عنها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها علـى تمييـز يكون مبرره الوحيد هو العـرق أو اللـون أو الجـنس أو اللغـة أو الـدين أو الأصـل الاجتماعي).
فعلى الدولة الطرف في المعاهدة قبل أن تقرر اللجوء إلى حالة الطوارئ، وفقا للمادة 4، أن يتوفر شرطان جوهريان هما:
أن يكون الوضع بمثابة حالة طوارئ عامة تهدد حياة الأمة، وأن تكون الدولة الطرف قد أعلنت رسميا حالة الطوارئ.
2- تتقيد الدولة عند إعلانها حالة طوارئ، بالالتزامات الأخرى المترتبة عنها بمقتضى القانون الدولي .
ويجب أن يحدد القانون بدقة الحالات التي يعلن فيها عن قيام حالة طوارئ، والطابع الاستثنائي الذي يتسم به تعطيل الحقوق والحريات، الذي ينبغي أن يقتصر على أضيق الحدود الزمانية والمكانية التي يتطلبها الوضع. كما يجب أن يكون الغرض من إعلان حالة الطوارئ هو التمكن من العودة إلى الأوضاع الطبيعية، أي استعادة النظام السياسي لوضعه العادي، الذي يمكن فيه ضمان حقوق الإنسان بالكامل مرة أخرى

الجزء الاول عن جريدة الاخبار

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!